ابن عجيبة

583

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - : « أنا النّبىّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطّلب » « 1 » ، وقوله : « هل أنت إلّا إصبع دميت ، وفي سبيل اللّه ما لقيت » « 2 » ، فهو مما اتفق وزنه من غير قصد ، كما يتفق في خطاب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم ، ولا يسمى شعرا إلا ما قصد وزنه . ولمّا نفى القرآن أن يكون من جنس الشعر ، قال : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي : ما الذي يعلّم ويقوله إلا ذكر من اللّه ، يوعظ به الإنس والجن ، وَقُرْآنٌ أي : كتاب سماوي ، يقرأ في المحاريب ، ويتلى في المتعبّدات ، وينال بتلاوته والعمل به أعلا الدرجات . فكم بينه وبين الشعر ، الذي هو من همزات الشيطان ؟ ! . أنزلناه إليك لِتُنْذِرَ بِهِ « 3 » يا محمد ، أو : لينذر القرآن مَنْ كانَ حَيًّا بالإيمان ، أو عاقلا متأملا ؛ فإن الغافل كالميت ، أو : من سبق في علم اللّه أنه يحيى ؛ فإن الحياة الأبدية بالإيمان ، وتخصيص الإنذار به ؛ لأنه المنتفع به ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ أي : تجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ المصرّين على الكفر ، وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعار بأنهم بكفرهم في حكم الأموات ، كقوله : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 4 » . الإشارة : أما النبي - عليه الصلاة والسلام - فنفى اللّه عنه صنعة الشّعر ، والقوة عليه ، لئلا يتهم فيما يقوله ، وأما الأولياء فكثير منهم تكون له القوة عليه ، ويصرف ذلك في أمداح الخمرة الأزلية ، والحضرة القدسية ، أو في الحضرة النبوية ، وينالون بذلك تقريبا ، ورتبة كبيرة ، وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا » « 5 » فالمراد به شعر الهوى ، الذي يشغل عن ذكر اللّه ، أو يصرف القلب عن حضرة اللّه . قيل لعائشة - رضى اللّه عنها - أكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتمثل بشئ من الشعر ؟ فقالت : لم يتمثل بشئ من الشعر إلا بيت طرفة ، أخي بنى قيس : ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد . وربما عكسه فقال : « ويأتيك من لم تزود بالأخبار » « 6 » . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الجهاد ، باب من قاد دابة غيره في الحرب ، ح 2864 ) ومسلم في ( الجهاد ، باب في غزوة حنين ، 3 / 1400 ، ح 1776 ) من حديث البراء بن عازب . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الجهاد ، باب من ينكب في سبيل اللّه ، ح 2802 ) وفي ( الأدب ، باب ما يجوز من الشعر والرجز ) ومسلم في ( الجهاد ، باب لقى النبي صلى اللّه عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين ، 3 / 1421 ، ح 1796 ) من حديث جندب بن سفيان . ( 3 ) قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب « لتنذر » بالخطاب . وقرأ الباقون « لينذر » بالغيب . انظر الإتحاف ( 2 / 404 ) . ( 4 ) من الآية 22 من سورة فاطر . ( 5 ) أخرجه البخاري في ( الأدب ، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصدّه عن ذكر اللّه ، ح 6155 ) ومسلم في ( كتاب الشعر ، 4 / 1769 ح 2257 ) . ( 6 ) أخرجه بنحوه ، وبدون ذكر بيت الشعر ، الطبري في تفسيره ( 23 / 27 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 505 ) لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم . وانظر : تفسير البغوي ( 7 / 27 ) وتفسير ابن كثير ( 3 / 579 ) .